مجلة المجتمع
"العدل الغائب" في "محكمة العدل الدولية"
تبرئة الصرب من دم 200 ألف مسلم في البوسنة
سراييفو : عبدالباقي خليفة
|
|
| غلاف مجلة المجتمع العدد 17425 |
قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بتبرئة صربيا من تهمة الإبادة الجماعية ضد مسلمي البوسنة رغم إقرار المحكمة بوقوع هذه الإبادة هذا القرار نكأ محنة المسلمين في البوسنة، واستحضر من جديد مشاهد المذابح الوحشية وعمليات الاغتصاب الواسعة بنساء البوسنة، اللائي مازلن يعانين منها حتى اليوم، وتشريد مئات الآلاف من ديارهم، ولم يعد الكثيرون منهم حتى الآن .
وتحاول أوروبا وأمريكا والغرب كله إغلاق هذا الملف وإهالة التراب عليه؛ حتى يذوب في عالم النسيان.
ومن هنا تأتي أهمية فتح هذا الملف مرة أخرى على صفحات "المجتمع" ونبدأ بهذا التحقيق عن المجازر التي وقعت بحق المسلمين، ثم نواصل الأعداد القادمة فتح ملف آلاف المغتصبات .. ماذا جرى لهن وكيف يعشن اليوم؟ .. ثم ملف المهجرين والعودة المستحيلة إلى الديار.
انتظر المسلمون في البوسنة 14 عاماً، ليقول القضاء الدولي كلمته الأخيرة في مظلمتهم التاريخية والإبادة التي تعرضوا لها على مدى 4 سنوات متواصلة، وعلقوا الآمال العريضة على عدالة الغرب، بعد أن فقدوا الثقة في سياسته، لكن خيبة أملهم كانت كبيرة.. في 26 فبراير الماضي، بينما كان الجميع ينتظرون إنصاف الضحايا، وإنزال العقوبات الرادعة بحق المعتدين ممن تسببوا في قتل أكثر من 200 ألف نسمة، من بينهم أكثر من 10 آلاف في "سيربرنتسا"، وإجبار صربيا على تقديم التعويضات والتي مهما بلغ حجمها لن تعيد مقتولاً ولن تحيي ميتاً أو تداوي جرحاً من جراح العدوان النازفة حتى اليوم... بينما كان العالم أجمع ينتظر ذلك، قضت رئيسة المحكمة الدولية، البريطانية "روزا لين هينغز"، ببراءة صربيا من من جرائم الإبادة العرقية في البوسنة خلال الفترة 1992م 1995م.
رغم تأكيدها أن ما حصل في سريبرينتسا في الفترة ما بين 13 و19 يوليو 1995م كان إبادة جماعية وفق التعريف الدولي للإبادة ، إلا أنها لم تعتبر ما جرى في غيرها من الأماكن، لاسيما في "بريدور"، و"بيالينا"، و"بيهاتش"، و"بريتشكو"... وغيرها حرب إبادة.
قرار متناقض
ولعل القراءة المتأنية لقرار المحكمة، تشير إلى التناقض الكبير الذي وقعت فيه هيئة المحكمة، فقد أكدت أن صربيا "قامت بمساعدة صرب البوسنة عسكريّاً" مما مكنهم من تنفيذ الإبادة في سريبرينتسا وغيرها، إلا أنها عادت، وقررت في الوقت نفسه أن "صربيا لا تتحمل المسؤولية المباشرة عن تلك الإبادة.. ولا توجد أدلة على تورط صربيا مباشرة..".
والجميع يعلم أن صربيا وريثة يوغسلافيا السابقة هي التي شنت العدوان على البوسنة، وهي التي أمدت صرب البوسنة بالمال والسلاح والمقاتلين والخبراء، كما تبنت قضيتهم سياسياً، ووقعت نيابة عنهم "اتفاق دايتون" في 21-11-1995م عن طريق الرئيس الصربي الأسبق "سلوبودان ميلوشيفيتش".
لذلك يحق وصف حكم "محكمة العدل الدولية" في لاهاي ب"أم المجازر"، و"أشد الضربات إيلاماً للمسلمين في البوسنة، وسابقة خطيرة في عالم تسييس القضاء الدولي"، وفق الدبلوماسي البوسني السابق وأستاذ القانون الدولي الدكتور "قاسم ترنكة".
مرارة وخيبة أمل
عبر عنها رئيس "هيئة العلماء في البوسنة" د.مصطفى تسيريتش "للمجتمع" قائلاً: "لقد انتابني مزيج من المرارة وخيبة الأمل بعد سماعي الحكم في لاهاي.. حيث مرت البوسنة بظروف قاسية، تعرض المسلمون فيها للإبادة وكل أنواع الجرائم، ثم تعلن المحكمة أن صربيا لم ترتكب جرائم إبادة، بينما الجميع وكلنا شهود وضحايا نعلم أن ذلك وقع.."!
وتابع : أما خيبة الأمل فقد انتظرنا طويلاً منذ عام 1993م عدالة المحكمة الدولية، ولكن توقعاتنا وآمالنا ذهبت أدراج الرياح، مما يؤكد أن الانسانية لاتزال في مرحلة الطفولة.. ولاتزال تتلاعب بها الأهواء".
إلغاء الحكم الذاتي
ورغم مرارة القرار، إلا أن عضو مجلس الرئاسة البوسنية د.حارث سيلاجيتش أكد (للمجتمع) أنه يمكن الاستفادة منه قانونيا، قائلاً: "لقد حملت محكمة العدل الدولية صرب البوسنة المسؤولية عن جرائم الإبادة في "سريبرينتسا" والتي أفرزت نتائجها مكاسب سياسية لصرب البوسنة، تمثلت في الحكم الذاتي الذي يسيطر عليه صرب البوسنة...، ولذلك لابد من إلغاء تلك النتيجة بعد قرار المحكمة الدولية".
وأضاف حارث: "بما أن المحكمة الدولية في لاهاي لم تحمّل صربيا والجبل الأسود المسؤولية عن الإبادة، فإننا نرغب في اتخاذ الإجراءات اللازمة حيال الموقف الصربي المتخاذل في منع الإبادة.. وهو ما أكدت عليه المحكمة".
وشدد سيلاجيتش على ضرورة عودة المهجرين إلى الأماكن التي هُجّروا منها، وتعويض ضحايا الإبادة كطريق وحيد للمصالحة والتعايش المشترك بين أجيال البوسنة وأبناء البلقان.
فشل جديد للأمم المتحدة
وحمل د.حارث سيلاجيتش الأمم المتحدة جزءاً من المسؤولية عن جرائم الإبادة التي تعرض لها المسلمون في البوسنة، لفشلها في إيقاف العدوان منذ البداية وحظر السلاح عن البوسنة، وهو ما يعني منعها من حق الدفاع عن نفسها... ووصف قرار المحكمة بأنه "سقوط جديد للأمم المتحدة في امتحانات البوسنة منذ سنة 1992م"، مطالباً المجتمع الدولي بالمساعدة في إلغاء نتائج الإبادة في البوسنة، وإصدار قانون يعاقب من ينكر الإبادة الجماعية في البوسنة.
أما العضو الكرواتي في مجلس الرئاسة جيلكو كومشيتش الذي كان قائداً في الجيش البوسني إبان الحرب، فقد أكد أنه يحترم قرار المحكمة، بغض النظر عن موقفه منه، وقال "إنه شاهد عيان على ما جرى في أثناء العدوان، وإنه سينقل ذلك لأبنائه..".
في حين دعا العضو الصربي في مجلس الرئاسة "رادمانوفيتش" جميع السكان إلى عدم التصعيد والهدوء، وإلى الولوج لما وصفه ب"المستقبل السعيد".
ووصف مدير "معهد جرائم الحرب في سراييفو" د.إسماعيل تشاكيتش القرار بأنه انتصار للجناة المجرمين، وقال (للمجتمع): "إن خطورة القرار تكمن بأنه يسمح بتكرار المذابح بحق المسلمين في المستقبل، ويجعل شعبنا يعيش في خوف دائم، لأن المجرمين أمنوا العقوبة..".
غضب شعبي في البوسنة
وكانت منظمات بوسنية مثل: "نساء ضحايا الحرب" و"نساء سريبرينتسا" و"معاقي الحرب" و"ضحايا معسكرات الاعتقال الجماعية"... وغيرها، قد تظاهرت أمام محكمة لاهاي يوم الإثنين 26-2-2007م، وأمام المؤسسات الحكومية في سراييفو يوم الثلاثاء 27-2 ضد قرار محكمة لاهاي، معتبرين إياه "هدية لبلجراد"..
وقالت "فضيلة ميميشوفيتش" من منظمة "التكتل من أجل شعب مهدد": "هذا موقف سياسي يراعي توازنات الوضع في المنطقة، وليس الأدلة القانونية، بما يؤكد أن أوروبا شريك رئيس في الإبادة التي تعرض لها شعبنا..".
وقالت "كاديتا هوتيتش" رئيسة جمعية "أمهات سريبرينتسا" وقد بدت متعبة جداً: "لدي ثلاثة أحفاد سأروي لهم ما حدث، هذا هو السلاح الذي يمكنني به مقاومة شر العدوان الذي تعرضت له مع أسرتي وشعبي.."، ورددت ما قاله رئيس العلماء في وقت سابق: "لا يمكن لأحد الهروب من الحقيقة للأبد".
مفاجأة للمجرمين الصرب
كان المسؤولون الصرب طيلة السنوات الماضية يتوقعون أن تصدر محكمة العدل الدولية قراراً بإدانة صربيا، وتحميلها المسؤولية عن جرائم الإبادة ، ليس في سريبرينتسا وحدها، وإنما بشكل شامل، غير أن لعبة السياسة تغير مجرى العدالة كعادتها، عندما يتعلق الأمر بالمسلمين!
وكان الصرب ولا سيما في بلجراد قد حاولوا كثيراً التوصل إلى صيغة للتراضي مع البوسنة خارج محكمة لاهاي الدولية، وعرضوا ذلك على الرئيس البوسني الأسبق "سليمان تيهيتش" العام الماضي، وقدموا إغراءات كثيرة، من بينها تعبيد طرق وتقديم أموال للضحايا، لكن "تيهيتش" رفض تلك العروض، وهو ما يؤكد أن المسؤولين في بلجراد يعتقدون أنهم مسؤولون عن جرائم الإبادة في البوسنة كلها، بل إنهم عرضوا مقايضة شكواهم ضد حلف شمال الأطلسي، الذي قصف صربيا في عام 1999م إبان الحرب في كوسوفا، بسحب شكوى البوسنة ضد صربيا... وقد تمت المقايضة بين صربيا والغرب كما يبدو، مع إضافة كوسوفا للصفقة، في مذبحة بل إبادة جديدة للتاريخ والأجيال..
وفي سياق متصل، احتفل الرئيس الصربي "بوريس طاديتش" بالقرار على طريقته حيث دعا في مشهد من مسرحية هزلية، البرلمان الصربي لإصدار إعلان يدين مجازر الإبادة في سريبرينتسا.. بالرغم من رفض البرلمان الصربي ذلك خلال السنوات الأربعة عشر الماضية.. وكان آخر تلك المواقف البرلمانية المتشددة في عام 2005م، حيث اختلف أعضاء البرلمان الصربي حول الصيغة التي يجب أن يصدر بها إعلان إدانة الإبادة، وفي يوليو 2005م وقف بعض أعضاء البرلمان دقيقة صمت (على أرواح ضحايا لندن وسريبرينتسا وبراتوناتس) ورفض أكثر من ثلثي الأعضاء وهم الراديكاليون والاشتراكيون مجرد الوقوف الرمزي!
وقال طاديتش يوم الثلاثاء 27-2 : "من المهم جداً إصدار إعلان من البرلمان يدين جرائم الإبادة في سريبرينتسا، وهو واجب تفرضه علينا مسؤوليتنا في هذا الخصوص، لأن عدم التعاون مع محكمة لاهاي يعد عملاً ضد مستقبل صربيا وشعبها". وقد تكررت تصريحات المسؤولين الصرب منذ 10 سنوات بضرورة اعتقال وتسليم المتهمين والتباكي على ضحايا سريبرينتسا؛ دون أن يتم اعتقال المتهمين أو الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية عن تلك الجرائم، وهو ما يعتبره الكثير من المسلمين "تلاعبا بالعواطف وتظاهرا بالبراءة".
اختزال جرائم الحكومات في أشخاص
الاتحاد الأوروبي من جهته دعا صربيا للتعاون الكامل مع محكمة جرائم الحرب في لاهاي، وهي دعوة أصبحت روتينية، ولم تؤت ثمارها لا سيما فيما يتعلق باعتقال وتسليم مجرمَيْ الحرب "رادوفان كاراجيتش" والجنرال "راتكو ملاديتش"، حيث يعد أغلب المعتقلين في السجن التابع لمحكمة لاهاي في انتظار صدور الحكم عليهم أو ممن تمت محاكمتهم، فيما لا يزال 6 مجرمين فارين..
ودعا بيان لوزارة الخارجية الألمانية التي تترأس الاتحاد الأوروبي، بلجراد لاعتبار قرار المحكمة الدولية فرصة للتخلص من الجرائم التي ارتكبت باسم يوغسلافيا السابقة في ظل نظام سلوبودان ميلوسيفيتش..
واعتبرت المصادر الصربية قرار المحكمة الدولية ونداء الاتحاد الأوروبي بمثابة نداء للحكومة الصربية الحالية والمقبلة، لاعتقال وتسليم الجنرال راتكو ملاديتش في أقرب وقت ممكن، كإشارة لكل جيران صربيا للتخلص من الماضي والدخول في المستقبل من بابه الأوروبي، بل شطب كل علاقة مع جرائم الإبادة في البوسنة بتحميل بعض الأشخاص المسؤولية عنها بدلاً عن الدول والحكومات..
الموقف الأمريكي
الولايات المتحدة الأمريكية أعربت عن أملها في أن يسهم حكم محكمة لاهاي بتبرئة صربيا من جرائم الإبادة في سريبرينتسا في تحقيق المصالحة في البلقان بين مختلف شعوب المنطقة.
وقال الناطق باسم البيت الأبيض "شون ميكورمارك": "نود تشجيع الشعوب في المنطقة على قطع خطوة جديدة على طريق المصالحة، ووضع حد للانقسامات التي لا تزال تضرب المنطقة".
ولعل البعد الإستراتيجي الغائب في قرار محكمة العدل الدولية بتبرئة صربيا من دماء 200 ألف مسلم في البوسنة؛ لتكريس صورة نمطية عن المسلمين بكونهم إرهابيين وجناة، وليسوا ضحايا ومضطهدين.
كما يذكرنا القرار بموقف الولايات المتحدة الأمريكية قبل 4 سنوات عندما رفضت التوقيع على إنشاء محكمة الجنايات الدولية، وقامت بتوقيع اتفاقات ثنائية علنية وسرية مع بعض الدول بعدم مقاضاة الجنود الأمريكيين أمام محكمة الجنايات الدولية، وذلك قبل غزو أفغانستان والعراق، مما أكد نية العدوان وارتكاب جرائم ما يوصف بالحرب القذرة... فهل تبرئة صربيا مقدمة لتبرئة جرائم إبادة مماثلة تلوح في الأفق ولاسيما في منطقتنا الاسلامية تضاف لما جرى ويجري في العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير والفلبين وغيرها؟
